حذر الدبلوماسي الصحراوي، السفير ماءالعينين لكحل، من أن التطبيق الانتقائي للقانون الدولي وازدواجية المعايير في الصحراء الغربية يهددان بشرعنة الاحتلال الاستعماري غير الشرعي وتحطيم البنية القانونية التأسيسية لمنظمة الأمم المتحدة.
وفي كلمته خلال ندوة رفيعة المستوى عُقدت يوم الثلاثاء بمجلس حقوق الإنسان في جنيف تحت عنوان “الصحراء الغربية والحق في تقرير المصير: تحديات الشرعية الدولية”، فند السفير لكحل محاولات الاحتلال المغربي إعادة صياغة آخر قضية تصفية استعمار لم تُحل بعد في أفريقيا وتصويرها كـ “نزاع سياسي مجرد”، داعياً المجتمع الدولي إلى الرفض الحازم لازدواجية المعايير الخطيرة.
واستهل السفير الصحراوي خطابه بالإشادة بـ “مجموعة جنيف لدعم الصحراء الغربية” لتنظيم هذا الحدث الهام في وقته المناسب، مؤكداً أن “قضية الصحراء الغربية ليست نزاعاً سياسياً مجرداً، كما تحاول بعض الروايات المعروفة الإيحاء به؛ بل هي بشكل أساسي قضية تصفية استعمار لم تكتمل بعد”.
وأضاف أن “الصحراء الغربية لا تزال مدرجة في قائمة الأقاليم غير المحكومة ذاتياً، وبالتالي تظل خاضعة للمبادئ والالتزامات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وقرار الجمعية العامة رقم 1514 (د-15)”.
وذكّر الدبلوماسي بالمرجعية القانونية الراسخة للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 1975، والذي خلص إلى عدم وجود أي روابط سيادة ترابية بين الصحراء الغربية وجيرانها من شأنها أن تعيق تطبيق التعبير الحر والنزيه عن إرادة شعب الإقليم. وبناءً على ذلك، أكد أن الوجود المغربي في الإقليم يمثل “احتلالاً واضحاً ناتجاً عن عدوان عسكري، وهذا استنتاج قانوني راسخ لم يتم تجاوزه أو تعديله أبداً”.
كما سلط الضوء على التوجه المقلق لبعض الأطراف الدولية الرامي إلى الترويج لمقاربات أحادية الجانب تسعى إلى استبدال عملية تقرير مصير حقيقية بمقترحات سياسية محددة النتيجة مسبقاً.
وحذر ماءالعينين لكحل قائلاً: “إن استبدال آليات تصفية الاستعمار المتفق عليها بصفقات أو ترتيبات أحادية الجانب يهدد بإضعاف سلطة ميثاق الأمم المتحدة”، مؤكداً أن “حق تقرير المصير، باعتباره مبدأً عالمياً، لا يمكن تمييعه أو جعله مشروطاً أو إعادة تعريفه من أجل الملاءمة السياسية؛ بل يجب تطبيقه باتساق ودون استثناء”.
ولاحظ كذلك أن تطبيق معايير مزدوجة على النزاعات الإقليمية لا يؤدي إلا إلى جلب انتقادات دولية مشروعة وواسعة النطاق، مما يكرس الفوضى البنيوية بدلاً من تقديم حلول حقيقية للنزاعات.
ومن جهة أخرى، وجه السفير انتقادات حادة لعدم التماثل السياسي داخل المحافل الدولية، مشيراً على وجه الخصوص إلى كيفية استغلال قوة الاحتلال المغربية للآليات الأممية لقمع الأصوات الصحراوية وحرمانها من الحق في التعبير.
وصرح في هذا السياق قائلاً: “إنه لمن غير المقبول أن يتاح لقوة احتلال مثل المغرب ممارسة نفوذ مشبوه داخل منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على حساب أولئك الذين يخضعون لاضطهادها الاستعماري”، مضيفاً أن “ضمان الإنصاف والتوازن وصوت متساوٍ لجميع المعنيين أمر أساسي إذا ما أرادت المنظمة تنفيذ مهامها بمصداقية”.
وفي إطار تأكيده مجدداً على الموقف الثابت للقيادة الصحراوية، أوضح لكحل أن جبهة البوليساريو تواصل الانخراط بحسن نية في العمليات التي تقودها الأمم المتحدة ومع المبعوثين الشخصيين المتعاقبين. ومع ذلك، أشار إلى أن الغياب التام لأي تقدم ملموس يثير مخاوف مشروعة بشأن اتساق النظام الدولي في تنفيذ قراراته الخاصة.
وفي ختام كلمته، ذكر الدبلوماسي الصحراوي الحضور المكون من سفراء ودبلوماسيين وقانونيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، بأن المجتمع الدولي يواجه خياراً حاسماً وتاريخياً يحمل عواقب جسيمة على الاستقرار الإقليمي ويتجاوز حدود المنطقة المغاربية ليمتد إلى أفريقيا والعالم.
وأكد في هذا الصدد: “إن السؤال المطروح أمامنا مباشر: هل سيتمسك المجتمع الدولي بمبدأ حق الشعوب الخاضعة للاستعمار في تحديد مستقبلها السياسي بحرية، أم أن المصالح السياسية الضيقة ستحل تدريجياً محل الالتزام القانوني؟ إن الخيار أمامنا ليس بين تفضيلات سياسية متنافسة، بل بين نظام دولي قائم على سيادة القانون وبين مقاربات خطيرة تهدد بشرعنة أحادية الجانب، والتوسع الترابي، والاحتلال غير الشرعي، والتطبيق الانتقائي للمبادئ القانونية”.
